في أحد أيام الصيف الحارة، كان أحد الملوك يقوم بجولة نهرية مع وزرائه، في القارب الملكي بقيادة ملّاحه الخاص. حتى إذا قاربت الشمس على الاستواء في كبد السماء غفا الوزراء، في حين لم يكن الملّاح بقادر على أخذ استراحة، إذ لم يكن هناك غيرُه ليجدّف. فما كان من الملّاح إلا أن غمغم لنفسه متبرّمًا: «انظر كيف ينامون وينعمون كما يشاؤون. لست أدري لمَ لا يعاونونني في التجديف. ألسنا كلّنا بشرًا في النهاية؟ ألا يُفترض أنّنا جميعًا قادرون على القيام بالأعمال نفسها، ومساعدةِ أحدِنا الآخر؟»
تناهى لسمع الملك ما غمغم به الملّاح لنفسه، لكنه لم يُعقّب. ثم سمعا أصواتًا من جانب البحيرة، فأمر الملكُ الملّاحَ بإيقاف القارب، وأرسله للبحث عن مصدر تلك الجلبة. بعد قليل رجع الملّاح، فسأله الملك:
«ما تلك الجلبة؟»
فأجاب: «إنها بعض الجِراء يا مولاي».
فعاد الملك يسأل: «وكم عددُها؟»
لم يكن الملّاح قد انتبه لذلك، فعاد أدراجه إلى الجِراء، ثم رجع وأخبر الملك أنّ عددَها ستة.
فسأله الملك: «وما ألوانها؟» للمرة الثالثة اضطرّ الملّاح للعودة إلى الجِراء، ثم رجع وأخبر الملك أنّ ألوانها: أسود وأبيض وبنيّ على التوالي.
فقال الملك: «يبدو أنها جِراء لطيفة. ترى هل هي ذكور أم إناث؟»
لم يتمكّن الملّاح من إجابة ذلك السؤال كذلك، حتى ذهب وتحقّق. ثم عاد وأخبر الملك أنّ أربعةً منها ذكور، واثنتين إناث.
فأيقظ الملك عندها أحد وزرائه، وأرسله إلى مصدر الجلبة، كما فعل مع الملّاح. ولما عاد، سأله الملك:
«ماذا وجدت؟»
فأجاب: «إنها جِراء حديثة الولادة يا مولاي. عددها ستة: أربعة ذكور، واثنتان إناث».
فسأل الملك: «وما ألوانها؟»
أجاب الوزير: «واحدٌ أبيض، وثلاثةٌ سود، والبقيةُ بنّيةُ اللون كأمّها».
عندها التفت الملك إلى الملّاح قائلًا: «عندما سألتُك عن تلك الجلبة توجّب عليك التردّدُ على المكان أربعَ مرات، أما هذا الرجل فذهب مرةً واحدةً فحسب. هذه إحدى الأسباب التي جعلتْ منه وزيرًا بينما أنت ملّاح. بعض الناس يجيدون النصحَ وتقديمَ المعلومات، وآخرون لا يُحسنون سوى التجديف. أفهمت الآن؟»
ومنذ تلك اللحظة لم يعد الملّاح يتذمّر من عمله!
المقصود أنّه ليست كلّ الأحلام ممكنةً لكلّ أحد، ولا كلّ أحد يقدر على كلّ شيء. ولا نقول: لا بأس في الإقرار بمحدودية الطاقات واختلاف القدرات وتفاوت البعد بين الحلم وصاحبه، بل نقول: لا بدّ من الإقرار بذلك؛ لأنّ ذلك من طبائع الوجود والموجودين.
ليست كلّ الأحلام ممكنةً لكلّ أحد، ولا كلّ أحد يقدر على كلّ شيء
فما الإشكالُ أن يحلم الحالم ويسعى في تحقيق حلمه، ليكتشف ببساطةٍ أثناء الطريق أنّه لا يقدر على متطلّبات ذلك الحلم أو أنّ ذلك الطموح لا يصلح له؟
من قال إنّ مجرّد خطور الحلم على قلب حالم يعني قطعًا ويقينًا انبناء صلةٍ وثيقةٍ وارتباطٍ خالدٍ بينهما؟ إنّ الطموحات والأحلام مطامعُ مشروعةٌ وليست نبوءاتٍ مكتوبة! والميلُ لمجالٍ والرغبةُ فيه وإن كانا عاملًا معتبرًا، فليسَا العاملَ الوحيد؛ فثمّة كذلك متطلّباتُ المطلوب نفسِه. أي إنّ كلَّ مطمعٍ تطمع فيه أو طموحٍ تطلبه، يتطلّب منك في المقابل متطلّباتٍ: إمّا أن تُوَفَّق إليها وفيها فتقدر عليه، أو لا يكون ذلك لك مهما سعيتَ فيه.
كذلك يظنّ الكثيرون أنّ الإتقان يعني تجويدَ كلّ عملٍ تعمله وصرفَ كلّ طاقتك في ذلك التجويد بغضّ النظر عن طبيعة العمل.
والحقّ أنّ الأعمال التي تستحقّ أن تُنجَز على أكمل وجهٍ نادرةٌ جدًّا. وما عدا ذلك من أعمالٍ يستحقّ فقط أن تقوم به بطريقةٍ «مناسبة»، لا غير. بل أكثر من ذلك: بعض الأعمال يمكن أن تُنجَز كيفما اتّفق للتخلّص منها!
الأعمال التي تستحقّ أن تُنجَز على أكمل وجهٍ نادرةٌ جدًّا، وما عداها يكفيه الأداءُ المناسب
والخلاصة أنّ لكلّ مرحلةٍ في عمر الفرد الواحد طاقتها وشغلَها الذي تتّسق معه، ولكلّ واجبٍ وقتُه كما أنّ لكلّ وقتٍ واجبَه. ومن ثمّ، ينبغي أن يكون مفهومُك للفرص الحياتية وميزانُك للتنقّل بينها مرنَين، بحسب أقدارِ وأولويّاتِ كلِّ حينٍ في حينِه. وإلا صارت الحياة أشبه بلعبة «بنك الحظ»: تجميعُ المال للمال، وتكديسُ المقتنيات لمجرّد التكديس، والتنافسُ للفوز من أجل الفوز وفقط، وإزجاءُ الوقت (أو بالأحرى «قتلُه») لمجرّد الإزجاء... وهكذا تنقلب الوسائلُ غاياتٍ، وتصير هي الأولوياتِ، وتتلاشى معالمُ الغاية الكبرى في غفلةٍ من «اللاعبين».
كم نكلّف أنفسَنا فوق طاقتها فنُلزمُها ما لم يُلزِمْها به الله! ونكتب عليها واجباتٍ عرفيةً متوارثةً دون استبصار، تُشغلها عن الواجباتِ الشرعيةِ التي لها خُلِقَتْ وهُيِّئَتْ وعليها تُبعَثُ وتُحاسَب!
فلا تنظرْ لمسؤولياتك في الحياة على أنّها حياةُ غيرِك يُلزِمُك بها؛ فإنّما هي حياتُك أنت، وأنت مُلزَمٌ بها، مسؤولٌ عنها، وعمّا تُحمّلُ نفسَك فيها. لذلك لا تُلزِمْ نفسَك ما لا تصدقُ التطلّعَ له على الحقيقة؛ فيُثقلك وَهْمُ حِملِه عن حَملِه، وتهدرْ عمرَك في التسويف والتأجيل والتململ، ثم لا يعودُ كلُّ ذلك عليك إلا بنكْدِ التذبذب في الدنيا وحسرةِ التفريط في الآخرة!
والموفّقُ في هذا الجهاد المستعينُ بالله على الدوام، ذو بالٍ طويلٍ وصبرٍ عنيدٍ في تربية نفسِه وإنضاجِها على نارٍ لا تنطفئ شعلةُها تمامًا، وإنْ تذبذبتْ أحيانًا بين الاتقاد والخفوت.
