السنوار! يا له من إسم فرض نفسه على ساحة المجتمع الدولي فرضاً، وجعل الله له حظاً ونصيباً في قلوب شانئيه ومُبغضيه قبل قلوب مُحبيه. بكاه أعداؤه بعد موته لما لمسوا فيه من قوة في الحق وثبات على المبدأ، وبكاه محبوه لما لمسوا فيه من صدق وإخلاص وتجرد، ومن قدوة عملية في مشوار حياته الذي لا مثيل له إلا في كتب الأساطير.
إن محطات حياة السنوار كثيرة وكلها أروع من بعض، ومشوار حياته أطول من أن يتم سرده في موضوع كهذا، ويكفينا أن نسلط الضوء على نبذات وكلمات ومواقف نشحذ بها الهمم ونقيم بها الأود، وأول ما يجب أن نلفت الانتباه إليه هو أن ...
السنوار قد عرف كيف يعيش عزيزًا ويموت كريمًا، فلقد عاش مقاومًا ومات شهيدًا، فعاش كما يحب ومات كما تمنى.
السنوار رئيساً لحركة حماس
إن في اختيار حماس للسنوار بالإجماع ليكون رئيساً لمكتبها السياسي خلفاً للقائد إسماعيل هنية رحمه الله، رغم أن السنوار لم يكن الأقدم ترتبياً بين المرشحين للمنصب ولا الأكبر سناً، يدل ذلك على أن حماس قد وجهت رسالة للعالم مفادها:
- أنها قد اختارت خيار التصعيد ضد الاحتلال واختارت الأولوية العسكرية قبل الأولوية السياسية، فالاحتلال يعلم كما يعلم العالم بأسره أن السنوار هو صاحب قرار السابع من أكتوبر الذي يُعد القرار الأشرس والأعنف في تاريخ المقاومة.
- وأن الحركة قد أعلنت التحدي للاحتلال، كما أعلنت أنها قد فقدت الثقة بالنظام والقانون الدوليين!!
- وباختيارها للسنوار أعلنت حماس أنها قد فقدت الثقة في المجتمع العربي الذي ما رأت الحركة من قادته إلا التحريض ضدها والخذلان.
- وأعلنت التقارب مع إيران التي كان السنوار من أكثر المتحمسين لتعزيز العلاقات معها.
- وأنها قد رفعت الحرج عن أي دولة مضيفة لرئيس حركة حماس، وأن أنفاق غزة أكثر أماناً من عواصم الدول المضيفة.
- وأن اختيار السنوار تحديداً فيه نكاية لقادة الاحتلال، لأنهم أكثر الناس دراية بشخصيته وأن كل ما يدور في ذهن السنوار هو أن يغمس يده في دم العدو.
اختيار الحركة للسنوار تحديداً كقائد لها فيه نكاية لقادة الاحتلال، لأنهم أكثر الناس دراية بشخصيته وأن كل ما يدور في ذهن السنوار هو أن يغمس يده في دم العدو
السنوار يخطف أنظار العالم ويحبس أنفاس قادته
ربما كان العالم يتعامل مع السنوار على أنه مجرد واحد من بين كثيرين من الأسرى الفلسطينيين الذين تم تحريرهم، إلا أن العالم عندما استمع لكلمته خلال حفل الإفطار السنوي في قطاع غـزة بصفته رئيساً لحـركة حماس، شعر العالم أنه أمام قائد وزعيم من طراز فريد!!
ومما قاله السنوار في كلمته التي استمرت 57 دقيقة:-
- سيف القدس تم امتشاقه ولن يُغمد حتى العودة والتحرير.
- إذا أراد العدو أن يحول المعركة إلى حرب دينية فسيكون بذلك قد كسر كل الخطوط الحمراء، وسوف نشعل المنطقة بكاملها حتى تبدوا في الأقمار الصناعية على أنها بقعة حمراء.
- ضمير العالم حساس ومُرهف عندما يتم الاعتداء على أصحاب العيون الزرقاء وتهجيرهم أما إذا كان الاعتداء والتهجير في حق غيرهم فلا حس ولا ضمير.
- على كل فلسطيني أن يعد بندقيته ومن لا يمتلك بندقية فليعد ساطوراً أو سكيناً.
- لقد استعدت المقاومة في غــــزة للقيام برشقة صاروخية تشمل 1111 صاروخاً على الكيان.
- سنبدأ في كسر الحصار عن غــــزة وسنخرج منها ونعود إليها رغم أنف العدو.
- حكومة الاحتلال تكذب على شعبها ولا تريد أن تدفع الثمن وتعتقد أن ملف الأسرى يمكن أن يُطوى.
- إننا قد أخذنا قراراً قاطعاً واضحاً بأننا سنبيِّض سجون الاحتلال من كل أسرانا.
إن كلمات السنوار هذه قد جعلت الأرض تميد تحت أقدام قادة الاحتلال -وإن تظاهروا بعكس ذلك- لأن معرفة قادة الاحتلال بشخصية السنوار جعلتهم يدركوا أن تصريحاته ليست مجرد كلمات حماسية سينتهي مفعولها فور الانتهاء من المناسبة، ولكن هذه الكلمات هي في حقيقتها خارطة طريق ولها ما بعدها.
دروساً عشرة من مشهد استشهاد السنوار
من يُمعن التفكير في ملابسات وفاة الــشهيد السنوار رحمه الله يدرك عدة أمور:-
1- إن مقتل السنوار رحمه الله لم يكن بطولة من العدو الصهـيوني ولا تخطيطاً ولكنه كان وليد الصدفة وقد أراد الله تعالى ذلك حتى لا ينتفش العدو ويسوِّق لنفسه أمام أذنابه أنه يستطيع أن يصل إلى هدفه متى شاء، وهناك من يصدِّق رواية العدو أكثر من تصديقه لما ورد في كتاب الله!!
2- أن قادة المقاومة لا يعرفون المستحيل طالما أنهم مع رب المستحيل! فلقد رأى العالم الــشهـيد السـنوار وهو يلقي طائرة التجسـس بعصا وكله يقين أن عصاه إن لم تلقف ما صنعوا ستكون مُلهمة للأجيال بألا يعدموا الوسيلة في مقاومة الباطل وأهله مهما بلغت قوة الباطل.
3- أن قادة المقـاومة بإذن الله تعالى لا يستسلمون وبمشيئته سبحانه لا يولون الأدبار ولكنهم يواجهون عدو الله وعدوهم حتى آخر نفس.
إن قادة المقـاومة بإذن الله تعالى لا يستسلمون وبمشيئته سبحانه لا يولون الأدبار ولكنهم يواجهون عدو الله وعدوهم حتى آخر نفس
4- إن طريق الحق لا يحتاج إلى أقوال كلها تشدق وتقعر وتفيهق ولكنه يحتاج إلى قوة الإيمان وقوة الساعد وقوة الرابطة، وما دون ذلك نوافل، وغير ذلك تغرير ورعونة وتضليل... فمن لا يترجم أقواله إلى مواقف وأفعال فهو عبء على الأمة وباطن الأرض أولى به من ظهرها.
5- من سلك طريق الحق يستشعر أن نهايته لن تكون طبيعية حتى وإن مات على فراشة.
6- إن الجهاد ليس عنترية حمقاء، ولا كلمات جوفاء، ولا خطط رعناء؛ ولكنه مزيج من القوة، والعزيمة، والإيمان، والصبر، وحسن الظن بالله تعالى ... قوة لا يتطرق إليها وهن، وعزيمة لا تعرف الخور، وإيمان أثقل من الجبال الرواسي، وصبر جميل على تبعات الطريق، وحسن ظن يجعل المجاهد لا يرى أمام عينيه إلا إحدى الحسنيين!!
7- إن الله تعالى يسوق للأمة مواقف مثل موقف استشـهاد السـنوار رحمه الله ليميز الخبيث من الطيب فإذا تأخر أو تخلف شيخك الذي تثق فيه وتقتدي به عن أن يكون له رأياً قاطعاً وواضحاً في المواقف الفاصلة في حياة الأمة وضوح الشمس في كبد السماء في رابعة النهار في يوم صائف فاعلم أن شيخك معلول النية وجبان، وله مآرب أخرى، وتجارة يخشى كسادها.
8- إن أعداء الأمة ليسوا فقط من يحملون عليها السلاح بل إن بيننا من بني جلدتنا من يطلقون ألسنتهم ويسخِّرون إمكانياتهم للطعن في رجال المقاومة ومقاصدهم، وهؤلاء أخطر على الأمة من أعدائها الذين يحملون عليها السلاح؛ فاحذروهم وافضحوهم واعتزلوهم والفظوهم من بينكم لفظ النواة، فالواحد منهم لا يساوي شسع نعل أصغر المجاهـدين، وهؤلاء ودوا لو تطول ألسنتهم لتخنق قادة المقـاومة حتى ولو صوروا لك أنهم غير ذلك.
9- كلنا رأينا أن الشغل الشاغل للــشهـيد الـسنوار هو أن يلقى الله شهيداً فاستجاب الله تعالى له وبلغه أمنيته ... ويالها من منزلة عظيمة وخاتمة كريمة لإنسان غاظ العدو وهو بين يديه، وأثخنه بعد أن تم تحريره، ولم تلن له قناة ولم تخور له عزيمة ... فأوجعهم حياً وميتاً.
10- إن المشهد الذي نحن بصدده أثبت لكل صاحب عقل أن مقاومة العدو الصـهـيوني ليست بحاجة إلى جيوش جرارة فحسب أكثر من كونها بحاجة إلى رجل وعصا... فالجيوش في دول الطوق ما أكثرها وما أقواها ولكن كما يقال: "إن العبرة ليست بقوة السيف وإنما العبرة بقوة ساعد صاحبه".
تلك عشرة كاملة يمكننا بعد سردها أن نقول "هذا هو إرث السنوار فهلموا إليه!"، كما يمكننا أن نقول (أبى الــشهـيد الـسـنوار رحمه الله إلا أن يعلمنا هذه الدروس قبل رحيله لتكون علينا حُجَّة ... فاللهم عونك لنا كما أعنته... وأحسن خاتمتنا كما أحسنت خاتمته.
مقاومة العدو الصـهـيوني ليست بحاجة إلى جيوش جرارة فحسب أكثر من كونها بحاجة إلى رجل وعصا
اقطعوا ألسنة المرجفين
إن من بني جلدتنا وأصحاب نفس قبلتنا من يلبسون مسوح الظباء ثم تراهم يطعنون في قرار السنوار بتنفيذ "طوفان الأقصى" ويروِّجون لفكرة أن ذلك كان تهوراً، وأن هذا القرار لم يجر على أهل غزة والمنطقة إلا الخراب، وغير ذلك من الترهات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
إنني أوجه حديثي لهؤلاء المرجفين مُحسناً بهم الظن ومعتبراً إياهم ضحايا تغييب الوعي الذي يمارسه صهاينة العرب ضد شعوبهم وأقول لهؤلاء:-
- ألم تشاهدوا أثار التفوق الاستخـباراتي والسيـبراني للمقاومة الذي أذهل العالم؟
- أليس تدمير سردية جيش الاحتلال بأنه لا يُقهر وقتلى الاحتــلال وجرحاه وأسراه وتدمير آلياته وارتباك قادته، نصراً ومكسباً؟
- أليس التراجع الاقتصادي ورحلات الهــجرة العكسية خارج إسرائيل واعتبار إسرائيل مكاناً غير آمن، نصراً ومكسباً؟
- أليس التمزق الاجتماعي والاحتراب الطائفي داخل الكيان، نصراً ومكسباً؟
- أليس استدعاء احتياطي الجيش، واستقدام مرتزقة الحروب، وحالات الهروب من الخدمة، وحالات الانتحار، والإصابة بالأمراض النفسية، نصراً ومكسباً؟
- أليس إحياء روح الجهـاد في الأمة، وبيان عدالة القضية في المحافل الدولية، والاعتراف بقادتها، ومحو صفة الإرهاب عن الحركة وزعمائها، وكسب تعاطف شرفاء العالم (دولاً وشعوباً)، نصراً ومكسباً؟
- أليس كشف الخــونة وفضح مخططاتهم في داخل وخارج غزة، نصراً ومكسباً؟
- أليس نسف سردية الاحتلال بكونه ضحية لإرهاب المقاومة وأنه من حق الضحية أن تدافع عن نفسها، نصراً ومكسباً؟
- أليس اعتراف ترامب بأن "إسرائيل دمّرت غزّة، لكنها خسرت العالم"، نصراً ومكسباً؟
- أليس خروج آلاف الأسرى الفلسطينيين من سجون الاحتلال نصراً ومكسباً.
إن مقاييس النصر في الإسلام تعتبر أن ثبات الفئة القليلة في مواجهة العدو نصراً، وإضعاف العدو نصرا، ومراغمته نصرا، وغيظه نصرا، وكسر هيبته نصرا، وإرهابه نصرا، والتمكين لدين الله ولو في شبر واحد من الأرض نصرا، وجعل كلمة عدو الله السُّفلى وكلمة أولياء الله هي العُليا نصرا!!
إن مقاييس النصر في الإسلام تعتبر أن ثبات الفئة القليلة في مواجهة العدو نصراً، وإضعاف العدو نصرا، ومراغمته نصرا، وغيظه نصرا، وكسر هيبته نصرا، وإرهابه نصرا، والتمكين لدين الله ولو في شبر واحد من الأرض نصرا، وجعل كلمة عدو الله السُّفلى وكلمة أولياء الله هي العُليا نصرا
أخيراً أقول
إن هدف السنوار من اتخاذ قرار "طوفان الأقصى" أعلنه من أول يوم وهو...
- أن يكسر هيبة إسرائيل وأن يجعلها منبوذة دولياً.
- أن يعيد القضية الفلسطينية إلى بؤرة الاهتمام العالمي.
- أن يحرر الأسرى من سجون الاحتلال.
وقد حدث هذا كله بالفعل!!
بينما كان هدف المعلن لنتنياهو من أول يوم هو...
- استرداد أسرى الاحتلال.
- تهجير شعب غزة من أرضه.
- نزع سلاح المقاومة وتسليمها لخريطة الأنفاق.
- إزالة حماس من المشهد واستبدالها بإدارة أخرى تحت قيادة السلطة الفلسطينية.
ولم يتحقق شيء من ذلك!!
وأقول:
بالرغم من أن القرن الحادي والعشرين لم ينقضي منه إلا ربعه إلا أن إسم المجـاهـد البطل يحـيى السنوار سيكتب بأحرف من نور في سجلات التاريخ على أنه مجدد روح الجهاد والمقـاومة، في القرن الحادي والعشرين.
