كيف يصنع الإعلام مخاوفَ وهمية عبر تحيّز الإتاحة؟

الرئيسية » بصائر من واقعنا » كيف يصنع الإعلام مخاوفَ وهمية عبر تحيّز الإتاحة؟
bigstock-D-Rendering-Of-Human-Brain-O-150112583-768x512

ما تعريف التحيّز المعرفي للإتاحة؟

يُعدّ التحيّز المعرفي للإتاحة "Availability Heuristic" انحيازًا إدراكيًا يجعل الإنسان يتخذ قراراته بناءً على مثال أو معلومة أو تجربة حدثت مؤخرًا، فهي حاضرة في عقله، وذلك حتى إن لم تكن تلك المعلومة هي الأفضل أو الأدق لاتخاذ القرار. بمعنى آخر، فإن المعلومات التي يسهل استدعاؤها إلى الذهن (أي الحاضرة أكثر) يُفترض أنها تعكس أحداثًا أكثر تكرارًا أو احتمالًا، في حين أن المعلومات التي يصعب تذكّرها (أي الأقل وجودًا) يُفترض أنها تمثل أمورًا نادرة الحدوث.

أمثلة على التحيّز المعرفي للإتاحة:

المثال الأول: في الاستثمار:

مثلًا، بعد مشاهدة تقارير إخبارية متكرّرة عن أشخاص ربحوا أموالًا طائلة من العملات الرقمية أو الأسهم التقنية، قد يندفع المستثمر لتوظيف ماله في المجال نفسه، معتقدًا أن الأرباح شبه مضمونة. ولكن هذا القرار هو في الحقيقة ناتج عن سهولة استحضار قصص النجاح التي تكرّر سردها، بينما لا تُذكر عادة قصص الخسارة التي قد كثيرًا ما تكون الأكبر عددًا.

المثال الثاني: في الزواج والطلاق:

قد تستمع امرأة إلى قصص صديقاتها أو ما يُعرض في المسلسلات عن زيجات فاشلة مليئة بالخيانة أو الظلم، فتكوّن انطباعًا بأن أغلب الرجال خائنون أو أن الزواج مشروع محكوم عليه بالفشل، بينما في الواقع هناك زيجات كثيرة سعيدة وناجحة، لكنها ليست حاضرة في ذاكرتها الآن لتأثرها بالقصص التي رأتها وسمعتها مؤخرًا.

المثال الثالث: في تربية الأطفال:

إذا شاهد أحد الوالدين على وسائل التواصل مقاطع كثيرة عن أطفال يتأثرون سلبيًا بالألعاب الإلكترونية، فقد يظن أن كل الألعاب مضرّة ويمنع طفله تمامًا من اللعب، رغم أن الاعتدال والمراقبة قد يجعلان اللعب وسيلة مفيدة للتعلّم والترفيه.

كيف يعمل تحيّز الإتاحة؟

إن الدماغ البشري يميل بطبيعته إلى استخدام أي معلومة متاحة لديه من أجل اتخاذ قرارات جيدة. مع ذلك، فإن الحصول على جميع المعلومات ذات الصلة في مواقف اتخاذ القرار ليس دائمًا أمرًا سهلاً أو ممكنًا. وحتى في الحالات التي تكون فيها جميع المعلومات متاحة، فإن تحليل كل الخيارات والنتائج المحتملة يتطلب جهدًا ذهنيًا ومعالجة معرفية معقدة ومكلفة. لهذا، يقوم الدماغ غالبًا باتباع اختصارات ذهنية متكررة ويمكن التنبؤ بها. وأحد هذه الاختصارات هو تحيّز الإتاحة، حيث يتم تقدير مدى شيوع أو احتمال وقوع حدث ما بناءً على سهولة تذكّر أمثلة مرتبطة به. وبالتالي، يتيح هذا الاختصار الذهني للناس إجراء تقديرات سريعة وغالبًا دقيقة في العديد من مواقف الحياة الواقعية. إلا أنه في بعض الحالات قد تكون الأحداث النادرة الحاضرة في الذهن أسهل في التذكّر من الأحداث المتكررة – كما في الأمثلة التي سنذكرها فيما يلي – مما يؤدي إلى وقوع الخطأ في الحكم نتيجة تحيّز الإتاحة ذاك.

أمثلة على تحيّز الإتاحة في الحياة اليومية، وأسباب انسياق الكثير من الناس وراءها:

فيما يلي بعض المواقف التي قد يظهر فيها هذا التحيّز في الحياة اليومية، وكيف يمكن استخدامه لتضليل الناس أو توجيههم للقيام بأمر معين سواء في عمليات التسويق والتوظيف وغيرها.

السلامة والأمان:

من الشائع أن يبالغ الناس في تقدير مخاطر بعض الأحداث، مثل حوادث الطائرات أو هجمات أسماك القرش، بينما يستهينون بمخاطر أحداث أخرى مثل حوادث السيارات أو الإصابة بمرض السرطان. فعلى سبيل المثال، يخاف كثير من الناس من السفر بالطائرة أكثر من السيارة، وقد يختارون القيادة بدلًا من الطيران خوفًا على سلامتهم الشخصية، بيد أن الإحصاءات تشير إلى أن القيادة بالسيارة لمسافة تعادل مسار رحلة جوية عادية تُعد أخطر بـ65 ضعفًا من السفر جوًا.

كما يُعد الخوف من هجمات أسماك القرش من المخاوف الشائعة، رغم أن تلك الهجمات نادرة جدًا. ويقدّر الملف الدولي لهجمات القرش أن خطر الموت نتيجة هجوم قرش يزيد قليلًا على واحد في كل 3.7 ملايين. فالمبالغة في تقدير خطر بعض الأحداث تعود غالبًا إلى التغطية الإعلامية المثيرة لها، مما يجعل الصور والأمثلة المرتبطة بها أكثر سهولة في التذكّر. وفي المقابل، فإن الأحداث الأكثر شيوعًا مثل حوادث السيارات لا تحظى بالاهتمام الإعلامي ذاته، ولذلك يكون استحضار الذاكرة لها أقل.

التقييم الذاتي:

صمّم بعض الباحثين تجربة طُلب فيها من المشاركين إدراج إما 6 أو 12 مثالًا على سلوكيات صارمة (أي مواقف تصرفوا فيها بحزم)، ثم تقييم مدى حزمهم الشخصي على مقياس من 1 إلى 10. وعند تحليل البيانات، تبيّن أن المشاركين الذين طُلب منهم ذكر 6 أمثلة فحسب صنّفوا أنفسهم بأنهم أكثر حزمًا من أولئك الذين طُلب منهم ذكر 12 مثالًا. والسبب أنه عندما كان على المشاركين ذكر 6 أمثلة فقط، غدت المهمة سهلة نسبيًا، مما جعلهم يعتقدون أنهم بالفعل أشخاص حازمون طالما كان بإمكانهم تذكّر الأمثلة بسهولة. أما حين كان عليهم ذكر 12 مثالًا، صارت المهمة أصعب بكثير، مما جعلهم يستنتجون أنهم ليسوا بهذه الدرجة من الحزم، لأن استرجاع الأمثلة استغرق جهدًا كبيرًا.

وتُظهر هذه الدراسة أن تحيّز الإتاحة يعتمد على سهولة التذكّر وليس على عدد الأمثلة المسترجعة. فالمشاركون لم يقيسوا مدى حزمهم بناءً على عدد المواقف التي تذكّروها، بل على مدى سهولة تذكّر تلك المواقف. ولو كان العكس صحيحًا – وهو أن تحيّز الإتاحة يعتمد على عدد الأمثلة لا على سهولة تذكّرها – لكان من المفترض أن يعتبر الأشخاص الذين ذكروا 12 مثالًا أنفسهم أكثر حزمًا من الذين ذكروا 6 أمثلة فحسب، بيد أن هذا ليس ما حصل.

تكرار الكلمات:

في واحدة من أوائل الدراسات حول تحيّز الإتاحة، طلب القائمون على الدراسة من بعض الأشخاص أن يفكروا فيما إذا كان هناك عدد أكبر من الكلمات التي تبدأ بالحرف K أم الكلمات التي يكون فيها الحرف K هو الحرف الثالث؟ غالبًا ما يحاول الأشخاص الإجابة على هذا السؤال من خلال استدعاء أمثلة من كل نوع. ولأن من الأسهل بكثير تذكّر كلمات تبدأ بالحرف K مقارنة بتذكّر كلمات تحتوي على K كحرف ثالث، يفترض معظم الناس أن عدد الكلمات التي تبدأ بـ K أكثر بكثير. لكن الحقيقة هي العكس تمامًا؛ فهناك حوالي ضعف عدد الكلمات التي تحتوي على الحرف K في موضع الحرف الثالث. وهذا مثال واضح على خطأ متوقّع ناتج عن تحيّز الإتاحة. ويرجع ذلك إلى أن الإنسان يبحث في الذاكرة عن الكلمات عادةً بناءً على الحرف الأول وليس الحروف الأخيرة أو الوسطى، لذلك تكون الكلمات التي تبدأ بالحرف K الأسهل في التذكّر، وبالتالي يُفترض خطأً أنها بالضرورة الأكثر شيوعًا.

ختاما.. رغم أن انحياز الإتاحة يؤدي غالبًا إلى أحكام دقيقة في العديد من المواقف الواقعية، إلا أنه يحتمل الخطأ في مواقف معينة يمكن التنبؤ بها. وفي مثل هذه المواقف، قد يؤدي استخدام انحياز الإتاحة إلى اتخاذ قرارات خاطئة ذات عواقب وخيمة، فلابد من استخدامه بحيطة وحذر.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • https://www.simplypsychology.org/availability-heuristic.html
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

شاهد أيضاً

بلاء الأمة وابتلاء المرابطين: قراءة في روح التضحية الفلسطينية

أول ما سمعتُ هذه الكلمة، سمعتها من امرأة غزاوية شابة قبل حرب طوفان الأقصى، وكان …