حماس… من المقطورة إلى الطوفان: حكاية فكرة لا تموت

الرئيسية » بصائر من واقعنا » حماس… من المقطورة إلى الطوفان: حكاية فكرة لا تموت
hamas201614

بعد أيام قليلة ستعود ذكرى لا تشبه غيرها إلى الواجهة؛ ذكرى انطلاقة حركة حماس. ليست مجرد تاريخ يمرّ في الروزنامة، بل لحظة تتجدد فيها ذاكرة شعب، وتستعيد فيها المقاومة مشهد ميلادها الأول: ميلادٌ خرج من رحم انتفاضةٍ مشتعلة، ومن شوارع تختلط فيها الحجارة بالدموع، ومن يقينٍ جماعيّ بأن الاحتلال الذي استقرّ عقودًا يمكن أن يهتزّ بضربة واحدة من يد طفل.

ومع اقتراب موعد الانطلاقة تعود الحركة إلى الناس لا بوصفها تنظيمًا فقط، بل بوصفها قصة ممتدة: قصةُ شبانٍ صنعوا مستقبلهم بأيديهم، وقيادةٍ دفعت أثمانًا هائلة لتبقى الفكرة حيّة. تعود الحركة بوصفها التجسيد الأوضح لهذا السؤال البسيط العميق: كيف يمكن لفكرة أن تستمر رغم كل محاولات الاقتلاع؟

من حادث "المقطورة" عام 1987 إلى "طوفان الأقصى" 2023، ومن أول بيان صيغ في غرفة ضيقة إلى آخر صاروخ انطلق من غزة، ظلّت الحركة تمشي على خط واحد: خطّ يبدأ بالإيمان بقدرة الشعب على التغيير ولا ينتهي إلا بتحرير الأرض أو استشهاد القادة الذين تعاهدوا على حمل الراية.

لم تولد حركة حماس من فراغ، ولم تكن فكرة هابطة من السماء بلا سياق. ولادتها كانت استمرارًا لسلسلة طويلة من الفعل المقاوم، بدأت قبلها بعقود، ومرّت بمحطات صعبة من العمل السري، والتكوين الفكري، والتجربة التنظيمية، ثم جاءت الانتفاضة الأولى بوصفها اللحظة التي انفجرت فيها التراكمات كلها دفعة واحدة.

لم تولد حركة حماس من فراغ، ولم تكن فكرة هابطة من السماء بلا سياق. ولادتها كانت استمرارًا لسلسلة طويلة من الفعل المقاوم، بدأت قبلها بعقود، ومرّت بمحطات صعبة من العمل السري، والتكوين الفكري، والتجربة التنظيمية

في تلك الليلة من ديسمبر 1987، حين وقع حادث اصطدام شاحنة إسرائيلية بمركبة فلسطينية قرب "مفرق الشهداء" – وهو ما عُرف لاحقًا بـ"حادث المقطورة" – لم تكن الأرض ساكنة. الشارع كان يغلي منذ أشهر، والاحتلال يمارس قمعًا يوميًا، وتراكم الغضب الشعبي كان ينتظر لحظة تنفجر فيها شرارة واحدة، فجاءت الحادثة لتكون البداية. في اليوم التالي عمّت المظاهرات كل قطاع غزة، ثم امتدّت إلى الضفة. كانت ولادة الانتفاضة الشعبية الكبرى.

لكن الانتفاضة وحدها لا تُنتج حركة منظمة. هنا برز دور الإخوان المسلمين في فلسطين الذين كانوا يعملون بصمت منذ السبعينيات لإعادة بناء تنظيمهم بعد الضربات، واستأنفوا عملهم الدعوي والاجتماعي، وأنشأوا المؤسسات، ووسعوا القاعدة الشعبية، وأعادوا الصلة بين الضفة وغزة. هذه الجهود الطويلة هي التي جعلت اللحظة التاريخية قابلة للالتقاط.

في الأيام الأولى للانتفاضة اجتمعت القيادة الإسلامية في غزة -وهي التي عرفت لاحقًا بالقيادة التأسيسية لحركة حماس- وقررت أن المواجهة الشعبية تتطلب إطارًا يوجّهها ويحميها ويحوّل غضب الناس إلى فعل منظم. عندها صيغ البيان الأول، وأُعلن الاسم: حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

كان الاسم نفسه إعلانًا لميلاد مرحلة جديدة: مقاومة، إسلامية، منظمة. لم تكن الحركة مجرد ردّ فعل، بل كانت مشروعًا متكاملاً له جذوره في فكر الإخوان، وتجربتهم في السجون، وتنظيماتهم السرية (مثل جهاز فلسطين ومنظمة الجهاد والدعوة)، ومحاولاتهم الأولى في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين لتأسيس خلية مقاومة متماسكة.

هذا التحوّل من التشتت إلى التنظيم استند إلى جملة من القناعات التي نضجت عبر سنوات: أن الجماهير مستعدة للمقاومة لكنها بحاجة إلى قيادة، وأن الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، وأن المواجهة تحتاج إلى إعداد نفسي وروحي وميداني طويل الأمد، لا مجرد ردود فعل غاضبة.

ومع نضوج الظروف، انطلقت أولى العمليات النوعية، وتحوّل الفعل الشعبي إلى فعل مقاوم ذي بنية واضحة. في تلك الفترة برزت تجربة السجون باعتبارها "مدرسة" للتربية الفكرية والانضباط، حيث أصبحت السجون أكاديميات لبناء الوعي. هذا الوعي الذي تشكّل خلف القضبان هو ما أعطى الحركة لاحقًا قدرتها على الصمود رغم الضربات.

الجماهير مستعدة للمقاومة لكنها بحاجة إلى قيادة، و الاحتلال لا يفهم إلا لغة القوة، و المواجهة تحتاج إلى إعداد نفسي وروحي وميداني طويل الأمد، لا مجرد ردود فعل غاضبة

التضحيات: الدم الذي يمنع الفكرة من الذبول

لم يكن صمود الحركة لعقود نتاج خطاب أو تنظيم فقط، بل نتيجة سلسلة طويلة من التضحيات التي دفعت فيها حماس أثمن ما تملك: قادتها ورجالها.

منذ استشهاد الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي ويحيى عياش وصلاح شحادة ونزار ريان وغيرهم، والحركة تخوض اختبارًا متكررًا: هل تموت الفكرة بموت صاحبها؟ وفي كل مرة كانت الإجابة تأتي على الطريقة الفلسطينية: يسقط القائد، وتبقى الفكرة، ويخرج من خلفه جيل جديد يواصل الطريق.

ثم جاءت السنوات الأخيرة لتفتح فصلًا آخر من فصول المواجهة: استشهاد صالح العاروري خارج فلسطين، واستشهاد رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية خارج فلسطين، ثم استشهاد محمد الضيف بعد أن أعاد تعريف ميزان القوة، واستشهاد يحيى السنوار الرجل الذي أعاد هندسة بنية المقاومة في غزة.

هذه الأسماء ليست مجرد شخصيات، بل طبقات متتابعة من الوعي والتنظيم والألم. استشهادهم لم يوقف الحركة، بل كشف جوهر بنيتها: أنها ليست هرمًا يسقط بسقوط قمته، بل جسدٌ حيّ تتوزع فيه القيادة وتتجدد خلاياه باستمرار.

ومن هنا فإن بقاء الحركة بعد اغتيال هؤلاء ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لفكرة تأسست منذ يومها الأول: أن الإنسان هو نقطة البدء، وأن الدم بداية الطريق لا نهايته.

إن بقاء الحركة بعد اغتيال قادتها ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لفكرة تأسست منذ يومها الأول: أن الإنسان هو نقطة البدء، وأن الدم بداية الطريق لا نهايته

ما بين البداية والحاضر… مشروع لم ينكسر

منذ حادث "المقطورة" وحتى اليوم، ورغم تحولات الإقليم وتغير التحالفات، بقيت حماس حاضرة، ليس لأنها حركة كاملة بلا أخطاء، بل لأنها وُلدت من عمق الناس، وسارت على قاعدة بسيطة وعميقة:

– المقاومة طريق،
– التحرير هدف،
– والإنسان هو اللبنة الأولى.

وهذه المعادلة هي التي جعلت الحركة قادرة على أن تبقى، وتستمر، وتعيد إنتاج نفسها جيلًا بعد جيل. البقاء هنا ليس مجرد استمرار تنظيمي، بل استمرار لحضور ورؤية ومشروع ما زال يحتفظ بقدرته على التأثير وإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني كلما ظنّ الآخرون أن الحسابات قد انتهت.

الحركة التي وُلدت في الانتفاضة لم تصبح جزءًا من التاريخ؛ بل ما زالت تكتبه.

شاهد أيضاً

هل القراءة الورقية أفضل أم الإلكترونية؟

أحدث التطور التكنولوجي تحوّلًا جذريًا في طرائق القراءة، إذ لم تعد مقتصرة على الكتاب الورقي، …