في غزة لا مساحة لتصور المشهد؛ أطفال ينامون على أصوات الانفجارات، ويستيقظون على فقد الأحبة، ويقضون نهارهم جوعى في طوابير تأمين الماء والخبز.
لكن في دواخلهم شيء يقاوم الانطفاء؛ يتقشفون في وجباتهم الثلاث في لقمة تسد جوعهم، يبتكرون ألعابًا من الركام، يرسمون شمسًا وقمرًا على جدار خيمة، يركضون خلف كرة قماشية ممزقة. الطفولة في مدرسة غزة ليست عمرًا، بل غريزة حياة.
و محاولات مستميتة للتشبث بالحياة، تفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل يمكن للطفولة أن تبقى حيّة في بيئة تُهدّم فيها كل أسس النمو الطبيعي؟ وهل قدرة الأطفال على اللعب والضحك وسط الموت هي مجرد ردّ فعل نفسي، أم أنها شكل من أشكال المقاومة الإنسانية العميقة؟
وبحسب منظمة "أنقذوا الأطفال" العالمية فقد وثّقت المنظمات الدولية استشهاد أكثر من 20 ألف طفل منذ بدء الحرب، بمعدل طفل واحد كل ساعة تقريبًا.
فيما ارتفعت حالات سوء التغذية الحاد إلى مستويات غير مسبوقة، مع توقعات بوصول 60 ألف طفل إلى دائرة الخطر الغذائي، بينهم 12 ألفًا يعانون من سوء تغذية حاد جدًا يهدد حياتهم مباشرة.
فيما تجاوز عدد الجرحى الأطفال 170 ألفًا، بينهم آلاف الأطفال الذين فقدوا أطرافهم أو أصيبوا بإعاقات دائمة.
أما فيما يتعلق بالنزوح فإن أكثر من 90% من أطفال قطاع غزة اضطروا إلى ترك منازلهم المدمرة والعيش في مخيمات ومراكز إيواء ، مما دفع إلى انهيار المنظومة التعليمية والصحية، تحولت الطفولة في غزة إلى معركة يومية من أجل البقاء، وسط بيئة تُهدّم فيها كل أسس النمو الطبيعي.
لعبة أسميتها (مدرسة)

تروي تالا المغربي، "14 عامًا"، لـ"بصائر" تفاصيل يومها: "نصحو في ساعات الصباح الباكر، فحياة الخيام روتين ثابت؛ لا نوم بعد صلاة الفجر، ولا سهر بعد صلاة العشاء".
تضيف: "فقدت في بداية الحرب أشياء كثيرة: منزلي، ملابسي، سريري، شنطة مدرستي، صديقات المدرسة وجيران الحي.
نُزعت من حياتي، ووضعت في حياة أخرى لا أعرفها. احتجت وقتًا طويلًا لتقبّلها ولصناعة تفاصيل يومية يمكن العيش فيها. لعبت في الرمل لساعات طويلة، تعلمت إيقاد النار والطبخ عليها، تعلمت غسيل الأواني بالرمل وقليل من الماء".
وتتابع: "عندما طالت الإبادة قررت أن أبحث عن شيء أحبه، فقررت تحقيق حلمي أن أصبح معلمة. جمعت أطفال الخيام المجاورة وصنعت صفًا أنا معلمته؛ أعلّمهم الحروف والأناشيد وقصار السور من القرآن الكريم.
لم يكن صفًا في البداية، كانت لعبة أسميتها (مدرسة)، ومع الوقت أصبحت جزءًا من كينونة المخيم".
وتستدرك: "حتى الأمهات بتْنَ يقلن لأطفالهن: على مدرسة (تالا)، وكثير منهن أرسلن لي قطع البسكويت والحلوى مع الصغار". موضحة أن نشاطها في تعليم الصغار هو الطريقة التي تواجه بها الحياة المرعبة، وتفاصيل يومها الطويلة، والحلم الذي تواصل الحياة لصناعته وتحقيقه.


في حين يقول محمد حسونة، "13 عامًا"، وهو نازح من منطقة شمال غزة يعيش في أحد مخيمات النزوح على شاطئ بحر خانيونس منذ أكثر من عامين، إن الحرب اختصرت حياته؛ فهو لا يدرك كيف كبر خلال عامين، وأصبح همّه الأكبر تحقيق ربحًا، وكيف يبتكر صنفًا جديدًا يبيعه للأطفال حتى يستطيع تأمين احتياجات عائلته بعد أن فقدوا كل شيء.
قماش مهتريء
يوضح انه استعان بأفكار والدته لصناعة ألعاب يدوية يمكنه إنجازها وبيعها. كان أولها طيارة ورقية صنعها لنفسه، فاشتراها طفل من خيمة مجاورة.
بعد ساعة واحدة استطاع بيع ست طيارات ورقية بأشكال وألوان مختلفة تغري كل طفل يراها.
ويتابع: "لم أكن أنوي بيع لعبتي، لكني اكتشفت أن كل الأطفال يبحثون عن ألعاب، فبدأت أصنع ألعابًا مختلفة وأبيعها".
ويوضح: "استخدمت الورق والنايلون لصناعة الطائرات الورقية، والقماش لصناعة لعبة (فك إدريس)، وهي لعبة شعبية شائعة بغزة.
ثم كيف قررت والدتي استخدام الإبرة والخيط لصناعة عرائس من القماش، ثم كيف صنعت كرة من القماش المهترئ".
ويؤكد حسونة: "في كل لعبة كنت أبحث عن حياتي؛ يومًا تجد الفكرة، ويومًا تبحث عن أدواتها، ثم يومًا تصنعها، ويومًا آخر تسوّقها.
وهكذا تواصل العيش يومًا بيوم، تواجه كل الموت والحرب بأمل صغير هو أن تصنع لعبة".


أكثر رضا
أما سجى الكرد "16 عاما" تروي تجربتها غير الطبيعية في مواصلة الحياة خلال الإبادة ، تقول تعرضنا للقصف في اليوم الثالث للحرب وفقدت عدد من أفراد عائلتي ، ثم تنقلت لأكثر من بيت جميعهن تعرضن للقصف حتى باتت النجاة من الموت شيئًا مستحيلا.
وتضيف نصحتني والداتي بإشغال وقتي بحفظ القرآن الكريم حتى بات الحفظ والترتيل مهمتي الأساسية.
بعد عام واحد كنت قد حفظت القرآن كاملا ،وبت أساعد أخوتي الثلاث في حفظه ثم اتسعت رقعة الحافظين معي. بعد فترة قررت أحد نساء المخيم إن تحفظ القرآن في حلقة تضم الجميع وطلبت مساعدتي في تحفيظ الصغار.



وتتابع تحفيظ القرآن و وقراءته وتفسيره غيرت من معالم الحياة في عيني و بت أكثر رضا بما يحدث حولنا وبكل ما نعيشه خلال الإبادة من خوف وجوع.

في هذا السياق تؤكد الدكتورة رائدة أبو عبيدة، رئيس قسم علم نفس النمو بجامعة الأقصى في غزة، أن الأطفال يمتلكون قدرة فطرية على التكيّف تفوق قدرة البالغين، وهي قدرة تنبع من طبيعة الدماغ الذي ما زال في طور التشكل، ومن مرونة آليات الدفاع النفسي لديهم.
وترى أن الطفل، رغم محدودية أدوات التحليل العقلي مقارنة بالراشد، يمتلك غريزة قوية للبحث عن الأمان، تدفعه إلى اللعب والضحك وابتكار عالم موازٍ يحتمي به، حتى لو كان يعيش وسط الدمار.
وتوضح أن هذه السلوكيات ليست سذاجة أو إنكارًا للواقع، بل آليات بقاء نفسية متقدمة تحمي الطفل من الانهيار.
وتشرح د. رائدة أن ما يعيشه أطفال غزة لا يمكن وصفه بصدمة واحدة، بل هو سلسلة صدمات متواصلة تُعرف في علم النفس بالصدمة المركّبة. فالطفل هنا يواجه فقدان المنزل، وفقدان الأحبة، والجوع، والخوف، والنزوح، وانعدام الأمان، وكلها أحداث تتراكم فوق بعضها وتضرب مستويات النمو كافة: العاطفي والمعرفي والاجتماعي والجسدي.
وتؤكد أن هذا النوع من الصدمات يترك آثارًا أعمق وأطول مدى من الصدمات العادية، لأنه يهاجم البنية النفسية للطفل من جذورها.
محاولات فطرية
وفي حديثها عن آليات البقاء النفسي، تشير د. رائدة إلى أن الأطفال يلجؤون تلقائيًا إلى وسائل متعددة تساعدهم على تنظيم عالمهم الداخلي، مثل اللعب والخيال والتعلق بشخص بالغ والضحك العصبي والصمت الطويل ورسم مشاهد الحرب.
وتعتبر أن هذه السلوكيات ليست أعراضًا مرضية، بل محاولات فطرية لإعادة ترتيب الفوضى التي يعيشونها.
وتضيف أن اللعب، على وجه الخصوص، هو لغة الطفل الأساسية، ومن خلاله يفرغ خوفه ويعيد ترتيب الأحداث ويستعيد السيطرة على ما فقده.
وتؤكد أن اللعب في الحرب ليس ترفًا، بل ضرورة علاجية لا يمكن الاستغناء عنها.
أما الضحك والمرح وسط الخوف، فتراه محاولة لاستعادة التوازن النفسي، لأن الطفل لا يستطيع البقاء في حالة تأهب دائم، فيخلق لحظة فرح صغيرة تحميه من الانهيار.
وترى د. رائدة أن تمسك الأطفال باللعب والدراسة، رغم كل ما يحيط بهم، هو شكل من أشكال المقاومة النفسية العميقة. فالطفل الذي يصر على التعلم في خيمة أو اللعب في ساحة مدمرة، يعلن بطريقة صامتة أن الحرب لم تنجح في قتل إنسانيته.
وتوضح أن الروتين اليومي، مهما كان بسيطًا، يمنح الطفل شعورًا بالثبات في عالم فقد كل ثوابته، وأن مجرد وجود وقت محدد للنوم أو وجبة مشتركة أو درس صغير يمكن أن يشكل عامل حماية نفسي قوي.
د. رائدة أبو عبيد: تمسك الأطفال باللعب والدراسة، رغم كل ما يحيط بهم، هو شكل من أشكال المقاومة النفسية العميقة. فالطفل الذي يصر على التعلم في خيمة أو اللعب في ساحة مدمرة، يعلن بطريقة صامتة أن الحرب لم تنجح في قتل إنسانيته
حالة تأهب دائم
وتحذر د. رائدة من الآثار طويلة المدى التي قد تظهر على الأطفال بعد انتهاء الحرب، مشيرة إلى أن كثيرًا منهم سيعاني من اضطرابات القلق والكوابيس والتبول اللاإرادي وصعوبات التركيز ونوبات الغضب وربما الاكتئاب.
وتوضح أن الخوف المستمر يرفع مستوى هرمون الكورتيزول في الدماغ، ما يؤثر على الذاكرة والانتباه والنمو العاطفي، ويجعل الدماغ في حالة تأهب دائم تعيق التعلم وتؤثر على النمو العصبي.
ورغم أن الأهل أنفسهم ضحايا للحرب، إلا أن وجودهم يظل عامل الحماية الأهم في حياة الطفل.
وتقول د. رائدة إن الأهل ليسوا مطالبين بأن يكونوا مثاليين، بل يكفي أن يكونوا حاضرين. فحضن بسيط، أو كلمة طمأنة، أو مشاركة اللعب، أو حتى البكاء مع الطفل، كلها تمنحه شعورًا بالأمان والانتماء.
وتشدد على أن المجتمع المحلي يمثل شبكة الأمان الأخيرة، وأن الأنشطة الجماعية واللعب المشترك ووجود بالغين داعمين كلها عناصر تخفف من آثار الصدمة، لأن الطفل يحتاج إلى جماعة يشعر داخلها بأنه ليس وحده.
وفي ما يتعلق بالعلاج النفسي الممكن في بيئة حرب، تشير د. رائدة إلى أن التدخلات البسيطة قد تكون فعّالة للغاية، مثل جلسات اللعب الجماعية، والرسم، والحكايات، وتمارين التنفس، ومجموعات الدعم للأمهات، مؤكدة أن هذه الأدوات، رغم بساطتها، قد تنقذ طفلًا من الانهيار.
وترى أن الطفل قد يتعافى دون علاج متخصص إذا توفر له بالغ داعم ومساحة آمنة وروتين يومي، لكن بعض الحالات تحتاج إلى تدخل متخصص، خصوصًا الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو شهدوا مشاهد قاسية.
وتوكد د. رائدة على أن أطفال غزة يحتاجون قبل أي شيء إلى الأمان، ثم الغذاء، ثم التعليم، ثم الدعم النفسي.
وتشدد على أنه لا يمكن علاج طفل جائع أو خائف، وأن العالم مطالب بأن يعترف بأن الطفولة ليست هامشًا يمكن تجاوزه، بل جوهر الحياة الذي يجب حمايته بكل الوسائل الممكنة.
مسار طويل ومعقّد

من جانبه يوضح الباحث الاجتماعي محمود عبد العزيز منصور أن عودة الأطفال إلى الحياة الطبيعية بعد الإبادة ليست عملية بسيطة أو تلقائية، بل هي مسار طويل ومعقّد تتداخل فيه العوامل النفسية والاجتماعية والبيئية.
ويشير إلى أن الطفل الذي عاش الحرب لا يخرج منها كما دخلها؛ فالتجربة تترك ندوبًا داخلية قد لا تُرى بالعين، لكنها تظل حاضرة في سلوكه، علاقاته، ونظرته إلى العالم.
ويؤكد منصور أن الصدمة لدى الأطفال ليست حدثًا عابرًا، بل تجربة وجودية تهزّ إحساسهم بالأمان، وتعيد تشكيل مفهومهم للثقة والاعتماد على الآخرين.
ويرى منصور أن الخطوة الأولى في التعافي تبدأ بتوفير بيئة آمنة ومستقرة، لأن الطفل الذي عاش القصف والتهجير يحتاج قبل أي شيء إلى استعادة شعوره بأن العالم ليس مكانًا عدائيًا.
ويشرح أن الاستقرار المكاني — منزل ثابت، مدرسة قائمة، روتين يومي — يشكل حجر الأساس في إعادة بناء التوازن النفسي. فالأمان ليس مجرد غياب للخطر، بل هو حضور لنظام يومي يمكن التنبؤ به، وهو ما يفتقده الأطفال في فترات الإبادة.
ويضيف منصور أن الدعم النفسي المتخصص يمثل عنصرًا حاسمًا في رحلة التعافي، خاصة لدى الأطفال الذين مرّوا بتجارب فقد أو رعب شديد.
ويشير إلى أن العلاج باللعب يعد من أكثر الأساليب فعالية، لأنه يتيح للطفل التعبير عن مشاعره بطريقة غير مباشرة، بينما يساعد العلاج السلوكي على معالجة القلق واضطرابات النوم والسلوكيات الناتجة عن الصدمة.
فضاء اجتماعي
ويؤكد أن التدخل النفسي يجب أن يكون طويل المدى، لأن آثار الإبادة لا تزول بجلسات محدودة، بل تحتاج إلى متابعة مستمرة تراعي خصوصية كل طفل. أما على المستوى التعليمي، فيشدد منصور على ضرورة إعادة دمج الأطفال في التعليم تدريجيًا، لأن العودة المفاجئة إلى الصفوف قد تكون مرهقة نفسيًا.
ويشرح أن المدرسة ليست فقط مكانًا للتعلم، بل فضاء اجتماعي يعيد للطفل إحساسه بالانتماء، ويمنحه فرصة لبناء علاقات جديدة تعوّض ما فقده.
ويضيف أن البرامج التعليمية في مرحلة ما بعد الإبادة يجب أن تراعي الفجوات المعرفية، وأن تدمج أنشطة داعمة للصحة النفسية داخل اليوم الدراسي.
ويؤكد منصور أن البرامج الاجتماعية تلعب دورًا لا يقل أهمية عن العلاج النفسي، لأنها تساعد الطفل على إعادة بناء شبكة العلاقات التي تضررت بفعل الحرب. ويشير إلى أن الأنشطة الجماعية، مثل اللعب المنظم، المخيمات، والمبادرات المجتمعية، تساهم في استعادة الثقة بالآخرين، وتخفيف الشعور بالعزلة، وإعادة دمج الطفل في محيطه الطبيعي.
محمود منصور: الأطفال ليسوا مجرد متلقين للصدمة، بل هم أيضًا قادرون على المقاومة وإعادة التشكل
وعن السؤال الأكثر حساسية: هل يعود الطفل كما كان؟ يجيب منصور بأن العودة الكاملة أمر نادر، لأن التجربة تترك أثرًا لا يمكن محوه تمامًا.
لكنه يؤكد أن الأطفال يمتلكون قدرة مذهلة على إعادة البناء الداخلي، وهي قدرة تفوق أحيانًا ما لدى البالغين.
ويقول: "الطفل قد لا يعود كما كان، لكنه يستطيع أن يصبح نسخة جديدة قادرة على الحياة، إذا وجد من يرافقه في رحلة التعافي".
ويشدد على أن الدعم المستمر — من الأسرة، المدرسة، والمجتمع — هو ما يحدد ما إذا كانت الصدمة ستتحول إلى جرح دائم، أم إلى تجربة يتجاوزها الطفل تدريجيًا.
ويختتم منصور حديثه بالتأكيد على أن الأطفال ليسوا مجرد متلقين للصدمة، بل هم أيضًا قادرون على المقاومة وإعادة التشكل.
ويضيف أن مسؤولية المجتمع لا تقتصر على حماية الأطفال أثناء الإبادة، بل تمتد إلى مرافقتهم بعدها، لأن التعافي الحقيقي يبدأ حين تتوقف الحرب، لا حين تنتهي.
ورغم كل ما يحيط بأطفال غزة من خوف وجوع وغياب للأمان، تبقى في داخلهم شرارة صغيرة ترفض أن تنطفئ. يواصلون البحث عن لحظة لعب، أو حلم بسيط يعيد إليهم شيئًا من ملامح الطفولة التي سُلبت منهم.
قد تكون الطريق طويلة وشاقة، لكن قدرة هؤلاء الصغار على التمسك بالحياة تمنح هذا المكان ما يكفي من الأمل.
