مغالطة التكلفة المهدرة: لماذا يصعب علينا التخلي عن مشروع بدأناه؟!

الرئيسية » بصائر من واقعنا » مغالطة التكلفة المهدرة: لماذا يصعب علينا التخلي عن مشروع بدأناه؟!
sunk cost

إن استمرارك في قرار ما أو استثمار وقتك أو مالك أو جهودك فيه، رغم أن العقل والمنطق يشيران إلى ضرورة التوقف، هو دليل على الوقوع في مغالطة التكلفة المهدرة Sunk Cost Fallacy. يُعد هذا التحيّز المعرفي من الأكثر انتشارًا على الإطلاق. في هذا المقال سنوضح ماهية مغالطة التكلفة المهدرة، وآثارها، وكيف يمكن لنا اكتشافها والتعامل معها بأحسن صورة ممكنة.

تعريف مغالطة التكلفة المهدرة

مغالطة التكلفة المهدرة هي ميلنا للمضي قدمًا في أمر ما بعد أن نكون قد استثمرنا فيه مقدارًا من المال أو الوقت أو الطاقة أو غيرها من الموارد غير القابلة للاسترجاع أو التعويض. وقد يدفعنا هذا الأمر إلى المضي قدمًا في مشروع أو وظيفة أو علاقة حتى حين يتضح لنا أنه قد آن الأوان للانسحاب أو إنهاء العلاقة. فمثلًا، قد يتردد الشخص الذي استثمر وقتًا ومالًا وجهدًا في مشروع ما في التخلي عنه ـــ حتى لو اتضح له أنه لم يعد مربحًا ـــ أو البحث عن خيارات استثمارية وتجارية أفضل.

ما المقصود بالتكاليف المهدرة؟

التكاليف المهدرة هي النفقات أو الجهود التي تم إنفاقها بالفعل ولا يمكن استعادتها أو تغييرها. فلا يمكننا استرجاع ما أنفقناه سواء كان وقتًا أو مالًا أو طاقة نفسية أو غيرها، ومع ذلك نظل مستعدين لبذل المزيد من المجهود والاستثمار فيها. ويمكن أن تتخذ هذه التكاليف أشكالًا عديدة، سواء الوقت الذي أمضيناه في وظيفة ما والذي كان يمكن استثماره في أمور أخرى، أو الضغط النفسي في علاقة ما وما يصاحبه من مشاعر القلق والتوتر والانشغال الذهني، أو الاستثمارات المالية التي قد تشمل شراء تقنيات جديدة أو مقرات عمل وغيرها.

التحليل النفسي لمغالطة التكلفة المهدرة:

ترى لماذا نستمر في أمر ما حتى بعد حدوث خسائر لا تعوَّض؟ تقدم النظريات النفسية والأبحاث العلمية مجموعة من المبررات التي تفسر هذا السلوك:

النفور من الخسارة:
كلما ارتفعت تكاليفنا المهدرة، ارتفع معها حجم الخسارة المحتملة والمرتبطة بالمشروع أو الالتزام. ولهذا نظل متمسكين بما قد نحققه من مكاسب، ونخشى المخاطرة الحقيقية بخسارة الاستثمار لا سيّما إذا كان كبيرًا.

التبرير والعقلنة:
مع ازدياد التكاليف، نصبح أقل قدرة على الاعتراف بأخطائنا أو قراراتنا السيئة، وعليه نواصل تبرير استثمارنا الأولي حتى عندما لا يكون منطقيًا.

الضغط الاجتماعي والسمعة:
يلعب الضغط الاجتماعي دورًا محوريًا في هذه المغالطة. فقد نتأثر بضغط الآخرين للاستمرار في الأمر، خاصة إذا ما كان متعلقًا بالعلاقات الإنسانية كالخطبة والزواج. فخشية أن ينظر إلينا الناس على أننا قد فشلنا في إنجاح الخطبة أو الزواج قد تدفعنا إلى التمسك أكثر وأكثر رغم عظم الخسارة التي تحققت بالفعل.

التعلق العاطفي:
مع استمرار المهمة أو المشروع، يزداد تعلقنا العاطفي به، مما يجعل التخلي عنه أكثر صعوبة.

التفاؤل المفرط:
يمكن أن يسهم التفاؤل المفرط بالاستثمار أو المشروع ـــ بأنه لا ريب سيؤتي ثماره ـــ في استمرار الوقوع في هذه المغالطة.

أمثلة عملية من الحياة:

تُعد مغالطة التكلفة المهدرة أمرًا شائعًا، وتظهر في مختلف مجالات الحياة، كما يتضح فيما يلي:

التجارة:
في عام 1981 تجاوز مشروع ممر "تنيسي–تومبيجبي" المائي ميزانيته بشكل كبير، وأُعيد طرح مسألة تمويله للمراجعة في الكونجرس. وعلى الرغم من أن المشروع كان لا يزال في منتصف الطريق فقط، ومع تزايد التكاليف بصورة خارجة عن السيطرة، قرر أعضاء مجلس الشيوخ الاستمرار في تمويله. وقد أشارت مراجعة لاحقة إلى أن كلفة استكمال المشروع ربما تجاوزت فوائده، مما جعل استمراريته قرارًا غير حكيم منذ البداية.

الاستثمارات:
استثمرت الحكومتان البريطانية والفرنسية مبلغًا مذهلًا بلغ 2.8 مليار دولار قبل أن تقوم أول طائرة مدنية نفاثة لنقل المسافرين في العالم ـــ الكونكورد ـــ بأول رحلة تجارية لها. وعلى الرغم من استمرار التكاليف والخسائر التشغيلية التي لم تتحول إلى أرباح، واصلت الطائرة عملها لمدة 27 عامًا إضافية. ولهذا السبب يُشار أحيانًا إلى مغالطة التكلفة الغارقة باسم مغالطة الكونكورد.

الحياة الشخصية:
وفيما يلي بعض الأمثلة الشائعة:

  • متابعة فيلم لم يعد ممتعًا لمجرد أنك أمضيت وقتًا وبدأت المشاهدة.
  • إكمال قراءة كتاب تجده غير شيّق أو مفيد.
  • العمل على مشروع شخصي لا يعطي النتائج المرجوّة.
  • الاحتفاظ بقطعة ملابس لا ترتديها أبدًا.
  • الاحتفاظ بسيارة تتطلب صيانة مستمرة وتكاليف إصلاح مبالغ فيها.
  • الاحتفاظ بمعدات تكنولوجية قديمة فقط لعلّك تحتاجها يومًا ما، رغم أنك لم تستخدمها مطلقًا.

كيف نتعرّف على هذه المغالطة؟

من المهم أن نتذكر أن مغالطة التكلفة المهدرة هي انحياز معرفي، وليست مبنية على أسس منطقية بالمرة. ولكي تستطيع المضي قدمًا واتخاذ قرارات سليمة سواء في الوقت أو المال أو العلاقات، عليك أن تتحرر من الانحياز المرتبط بالماضي، وذلك من خلال الخطوات التالية:

1- تحدَّ نفسك:
اسأل نفسك الأسئلة التالية للتحقق من وقوعك أو عدمه في هذه المغالطة:

  • ما الذي أخشى أن أخسره؟
  • كيف يعيقني هذا عن المضي قدمًا؟
  • ما احتمال نجاحي في ما أفعله؟
  • هل خوفي من رأي الآخرين يقودني إلى اتخاذ قرارات خاطئة؟

2- توثيق الخيارات والقرارات:
دوّن خياراتك وانظر إلى مدى اتفاقها مع أهدافك استنادًا إلى البيانات المتاحة لديك. وعليه فكر فيما إذا كان الاستمرار هو الخيار الصحيح.

ثلاث استراتيجيات للتخلي عن الاستثمارات أو القرارات الخاطئة:

في بعض الأحيان يبدو البقاء على متن سفينة تغرق أسهل من النزول منها. ومع ذلك، هناك عدة استراتيجيات تساعدنا على التخلي عن القرارات الخاطئة:

1- التركيز على المستقبل:
غالبًا ما نركز بشكل مفرط على ما قمنا به في الماضي، بيد أن التركيز على المستقبل يمكن أن يساعدنا على تجنب القرارات الخاطئة. فاسأل نفسك:

  • ما الفوائد والفرص المحتملة التي قد أفوّتها إذا واصلت استثمار الوقت والمال في هذا المشروع؟
  • كيف يتوافق هذا الاستثمار أو القرار مع أهدافي طويلة الأمد؟
  • هل أستند في استثماري على قرارات الماضي أم على الفوائد والتكاليف المستقبلية؟

2- التدقيق في الوضع الحالي بموضوعية:

وذلك من خلال طرح الأسئلة التالية:

  • هل عواطفي ومشاعري تشوّش حكمي؟
  • هل هناك مسارات بديلة يمكنني اتباعها الآن؟
  • ما النصيحة التي كنت سأعطيها لصديق لي في موقفي هذا؟
  • من يمكنه تقديم نصيحة مفيدة وموضوعية لي؟

التعلم من أخطاء الماضي:

رغم أننا لا نريد الانغماس في الماضي، إلا أن النظر إلى ما يمكن أن نتعلمه من تجاربنا السابقة قد يساعدنا على تجنب الأخطاء المستقبلية. ومن الأسئلة التأملية المفيدة ما يلي:

  • ما الذي أخطأت فيه في نهجي السابق؟
  • كيف اختلفت توقعاتي عن النتائج الفعلية؟ ولماذا؟
  • ما الذي يمكنني فعله بشكل مختلف في عملية اتخاذ القرار لتجنب تكرار نفس الأخطاء؟

وأخيرًا، تبين مغالطة التكلفة المهدرة أن سلوكنا غالبًا ما ينبع من مدى التزامنا السابق. فقد استثمرنا وقتًا ومالًا وطاقة في شيء لم يعد يقدم النتائج والعوائد المتوقعة، هذا غير أن تكلفته صارت أكبر بكثير من عوائده. ومع ذلك، غالبًا ما نكون غير مستعدين للتخلي عن الأمر في سبيل ضمان مستقبل أفضل والحفاظ على ما تبقى من وقت وطاقة ومال لتلافي أخطاء الماضي وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

معلومات الموضوع

مراجع ومصادر

  • https://positivepsychology.com/sunk-cost-fallacy
اضغط لنسخ رابط مختصر لهذا المقال
كاتبة ومترجمة من مصر، مهتمة بقضايا التعليم والأسرة والتطوير الذاتي

شاهد أيضاً

حرب طوفان الأقصى: مشاهد وكلمات تاريخية!

  في هذه الحرب التاريخية مشاهد وكلمات تاريخية، يجب علينا أن نُسجّل بعضًا منها، بقدر …