على مشارف المرحلة الثانية من خطة ترمب، نحن في لحظة هي من أشد اللحظات التي مرّت على المقاومة في غزة منذ الحرب عليها في السابع من أكتوبر عام 2023م؛ ذلك لأن العالم كلّه تقريبًا قد اجتمع على الضغط عليها، فإما أن تقبل بخطة ترمب كاملة، وإما أن تكون ـ كما قال ترمب سابقًا ـ المحرقة التي لا مطفئ لها. العرب والمسلمون قد اتفقوا مع ترمب على خطته، ووافقت عليها إسرائيل، وها هم جميعًا يضغطون على المقاومة من أجل أن توافق عليها بكل تفاصيلها.
هي خطة أملاها ترمب مع إسرائيل من منطلق القوة المطلقة، ووافقت عليها الدول العربية والإسلامية رغَبًا ورهَبًا من منطلق الضعف المطلق.
والخطة تعني أن تتخلى حماس عن حكم قطاع غزة، وأن تتولى إدارة القطاع لجنة فلسطينية بإشراف دولي، على رأسه يقبع ترمب، مع تسليم الأسرى الإسرائيليين، في مقابل وقف الحرب وانسحاب إسرائيل على مراحل، ثم إعادة الإعمار.
قالوا: إنه لن يكون تهجير، ولن تضم إسرائيل الضفة الغربية إليها.
وقالوا: إن إسرائيل ستنسحب من غزة، ولكن على طريقتها، وعلى مدار زمني ممتد.
ثم قالوا: يجب أن تسلم حماس سلاحها، ويجب أن تُدمَّر مواقعها وأنفاقها، وأن تشرف لجنة دولية على هذا التسليم والتدمير.
قالوا وقالوا...
هي ورقة استسلام قُدِّمت لحماس من أجل أن توقّع عليها مُجبَرةً مضطرةً، فإما أن توقّع، وإما أن تظل المذبحة وتزداد.
لكن حماس وافقت على بنودها الأولى فقط، وأعلنت ذلك؛ أي إنها وافقت على وقف الحرب، وتسليم الأسرى، والتخلي عن حكم غزة.
أما مسألة تسليم السلاح، فلم تُعلن الحركة أبدًا موافقتها عليها، وإنما أعلنت بصراحة أنها ستسلم سلاحها عند قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، وأنها ستسلمه حينها لهذه الدولة.
ونحن بدورنا كأمة عربية وإسلامية، مؤيدة للمقاومة وداعمة لها ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، ننادي قادة المقاومة في غزة ونقول لهم: لقد بلغت المذبحة التي تعرضتم لها مستوى ليس فوقه مستوى أكبر منه، فلا معنى إذًا لكل تهديدات المعتوهَين (ترمب ونتنياهو).
لن تزداد المذبحة عما كانت عليه، فليس بعد ذلك زيادة. لقد بلغت غايتها، وأقصى ما يمكن أن يكون زيادةً أن يعمدوا إلى التهجير الذي يهددون به ليل نهار.
لا تستسلموا، حتى ولو هُجِّر الغزّيون إلى سيناء أو إلى غيرها؛ فهي ملحمة كتبها الله عليكم، والملحمة لا بد أن تسير إلى نهايتها، ونهايتها، باستقراء التاريخ، ستكون لكم بلا ريب، وبوعد الله ورسوله ستكون لكم بلا ريب.
إنهم يطلبون منكم تسليم السلاح، وهو المطلب الذي دونه الموت. فيا خيرة خلق الله في أرض الله، ويا أهل الطائفة المنصورة: لا تُلقوا سلاحكم ولو قاتلتم لألف عام. لا تُلقوا سلاحكم ولو قُتلتم عن آخركم، ولا تجعلوا إسرائيل تهنأ بالنصر عليكم إلا بآخر رمق لآخر مجاهد فيكم.
يا خيرة خلق الله في أرض الله، ويا أهل الطائفة المنصورة: لا تُلقوا سلاحكم ولو قاتلتم لألف عام. لا تُلقوا سلاحكم ولو قُتلتم عن آخركم، ولا تجعلوا إسرائيل تهنأ بالنصر عليكم إلا بآخر رمق لآخر مجاهد فيكم
يا خيرة خلق الله في أرض الله، ويا أهل الطائفة المنصورة: لا تنسوا الشعار الذي هتف به شيخ المجاهدين عمر المختار من قبل، والذي بات شعارًا لكل المجاهدين في كل مكان وفي كل زمان: نحن قوم لا نستسلم، ننتصر أو نموت.
وهو شعار من الممكن أن نضيف له ونقول: نحن قوم لا نستسلم، ننتصر أو ننسحب لنتجهز لجولة أخرى.
فمن الممكن أن ينسحب الصف المجاهد من أرض المعركة، وقد أباح الله ذلك إن أيقن بالهزيمة والهلكة، على أن يكون انسحابه انسحابًا تكتيكيًا من أجل الاستعداد لجولة أخرى يكون فيها النصر. وذلك يستلزم أن ينسحب الصف المجاهد بكامل سلاحه وعتاده، ثم يتجهز بأكثر وأكثر، لكي يعود كارًّا على عدوه، وهكذا بين كرٍّ وفرٍّ حتى يكتب الله له النصر.
أما أن يُسلِّم سلاحه، وأن يُدمِّر أنفاقه، فهي الهزيمة التي ليس بعدها هزيمة، وهو العار الذي ليس بعده عار.
أبعد كل الدماء التي زُهقت، وبعد كل البيوت التي دُمِّرت، وبعد هذه الملحمة التي لا نظير لها في تاريخنا المعاصر، وربما في تاريخنا كله؟!
يا خيرة خلق الله في أرض الله، ويا أهل الطائفة المنصورة: خذلتكم الأمة الإسلامية في عمومها، وخذلتكم الإنسانية كلها في عموم العموم، وخذلتكم الأمة العربية بخصوصها، وخذلكم الإسلاميون فيها بخصوص الخصوص.
لم نقدم لكم مجاهدين ليجاهدوا معكم، ولم نقدم لكم سلاحًا يعينكم، ولم نقدّم لكم حتى الطعام والشراب، وقعدنا نشاهدكم وأنتم تموتون جوعًا وعطشًا.
منعنا المانعون عن تقديم العون لكم، وما كان ينبغي لنا أن يقدر على منعنا أحد؛ فقد كان الواجب علينا أن ندوس كل السدود والحدود وواضعيها ونحن نهبّ لنجدتكم.
لكننا، يا خيرة خلق الله في أرض الله، ويا أهل الطائفة المنصورة، وإن كنا لم نقدم لكم عونًا، فإننا نقدم لكم التقدير والإكبار، ونقدم لكم مع ذلك النصيحة الخالصة.
يا خيرة خلق الله في أرض الله، ويا أهل الطائفة المنصورة: إنها ملحمة كتبها الله عليكم، فأكملوا ملحمتكم إلى نهايتها، ولا تنهوها أسوأ نهاية بتسليم السلاح. وقد بدأتموها أعظم بداية حين حملتم ذلك السلاح، واقتحمتم حصون العدو، وقتلتموه، وأسرتموه، وأذللتموه.
فلا تذِلّوا بعد العز، ولا تنهزموا بعد النصر، واقبلوا الاتفاق الذي ينهي مأساة أهلكم، على أن لا يكون فيه استسلام ومذلة؛ فإن الموت أشرف لكم من ذلك.
