الحياء «شعبة من الإيمان» كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء خير كله»، و«الحياء لا يأتي إلا بخير».
والضابط في فهم خلق الحياء وتطبيق التخلّق به كامن في تعريفه؛ فالحياء هو «تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُعاب به.
وقيل: هو انقباض النفس عن القبائح وتركها».
وجاء في شرح النووي على مسلم: «قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة، واستحيا الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع العيب.
فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة»
وبسبب ضعف التفرقة بين الحياء والخَوَر والعجز، وغير ذلك من الأخلاق المذمومة، كثيرًا ما يُسمّى الحياء بغير اسمه ويُوضع في غير مواضعه.
ولجلاء هذا الاستشكال، فصّل الإمام النووي في شرحه وجه التفرقة فقال:
الحياء شعبة من الإيمان… لكنه لا يُفهم إلا في ضوء تعريفه وضابطه الشرعي
«إنما جُعل الحياء من الإيمان، وإن كان غريزة، لأنه قد يكون تخلّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان بهذا، ولكونه باعثًا على أفعال البر، ومانعًا من المعاصي. وأما كون الحياء خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير، فقد يُشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحيي أن يواجه بالحق من يُجلّه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق، وغير ذلك مما هو معروف في العادة. وجواب هذا ما أجاب به جماعة من الأئمة: أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخَوَر ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق»
وجاءت أحاديث تفصّل التطبيقات العملية للحياء، كما ورد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا لنستحيي، والحمد لله. قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكر الموت والبِلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء»
المانع من التعلم ليس حياءً حقيقة، بل هو عجز وخَوَر، وإنما أُطلق عليه حياء مجازًا
وبذلك يتضح أن الحياء ليس منافيًا للرجولة، ولا هو من الأخلاق والطباع المقصورة على النساء؛ إذ هو حسٌّ رادع عن ارتكاب مختلف أنواع القبائح، وخوارم المروءة، وخوادش الأدب، مما يقدح في براءة السيرة أو السريرة، سواء كان الناس شهداء أم لا، فرِقابة الله تعالى لا تغيب.
وتتضح كذلك صحة القول بأنه لا حياء في تعلّم ما يجب تعلّمه من طبائع الخِلقة وحدودها ونهج إدارتها؛ بمعنى أن الحياء ليس مانعًا من ذلك التعلّم، لا بمعنى انعدام الأدب في تناول الموضوع، ولا بمعنى إباحة الفجاجة في منهج التعليم وأسلوب العرض، ما دام قد رُوعي عدم تلبيس حق بباطل، أو تمييع حقيقة، أو تكلّف التحرّج في تسمية الأمور بأسمائها التي سمّاها بها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر
وتأمّل فيما جاء عن السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما:
عن يزيد بن بابنوس قال: «ذهبت أنا وصاحب لي إلى عائشة، فاستأذنا عليها، فألقت لنا وسادة، وجذبت إليها الحجاب. فقال صاحبي: يا أم المؤمنين، ما تقولين في العِراك؟ […] قالت: ما العِراك؟ المحيض. قولوا ما قال الله: المحيض». ثم قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوشحني وينال من رأسي وبيني وبينه ثوب، وأنا حائض»
وتأمّل كذلك في الحديث الذي روته السيدة صفية عن السيدة عائشة رضي الله عنهما، وفيه قولها المشهور عن نساء الأنصار:
«سمعت صفية تحدث عن عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل المحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها. قالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها! فقالت عائشة: تبتغي أثر الدم. وسألته عن غسل الجنابة فقال: تأخذين ماءك فتطهرين فتحسنين الطهور، أو أبلغي الطهور، ثم تصبين على رأسك فتدلكينه حتى يبلغ شؤون رأسك، ثم تفيضين عليك الماء». فقالت عائشة: «نِعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
وقال مجاهد رحمه الله: «لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر»
