مؤخرًا، كل شيء على ما يرام بخصوص الخبز في غزة.. رحلت أوقات صعبة تصلح أحداثها لسيناريو أفلام مثيرة عن الجوع والموت.
عندما أستدعي شريط الذاكرة، تقفز في رأسي مشاهد لا تُنسى من رحلات الموت، التي كان فيها الرجال والشبان يتعرضون للموت من أجل توفير طحين القمح أو الذرة لصناعة الخبز.
أسكن بجوار مقبرة كبيرة؛ تمر من أمام بيتي كل يوم، على الأقل، أربع جنازات، ولا تمر عربة الخبز مرة واحدة في الشهر؛ هكذا مضى الحال طوال ستة شهور، وكنت أجد نفسي مشاركًا في كثير من الجنازات، فأنا جار المقبرة.
منذ أيام، أشتري عشرين قطعة خبز بأقل من دولار واحد؛ عجبًا! لقد وصل بنا الحال، أيام المجاعة في الحرب، لشراء كيلوغرام واحد من الدقيق بقرابة أربعة وثلاثين دولارًا أمريكيًا.
مرت غزة، خلال الحرب التي امتدت من أكتوبر 2023م إلى أكتوبر 2025م، بعملية تجويع مُنعت فيها الحكومة الإسرائيلية المؤسسات الإغاثية والإنسانية من نقل الدقيق بحرية لأكثر من مليونين وثلاثمائة ألف نسمة. شهدت أزمة الخبز مراحل متفاوتة، لكنها اشتدت في مارس 2025م حتى أكتوبر 2025م.
نعيش الآن مشهدًا معاكسًا لأسوأ أزمة إنسانية شهدها اللاجئون الفلسطينيون منذ عام 1948م، وهو العام الذي تأسست فيه دولة إسرائيل فوق أرضهم، وهي أزمة الخبز.
صحيح، كان الخبز رمزًا لثورات الجياع في العالم الثالث، وبلدات عانت تحت أنظمة شمولية، لكن لا أعتقد أن ما جرى لنا في غزة العام الجاري له مثيل في منطقة جغرافية من العالم.
انهارت مناعة الدهشة في أوروبا والعالم العربي أمام صور المجاعة، التي اختطفت حياة عشرات الأبرياء، معظمهم من الأطفال، ما تسبب بإحراج كبير لتلك الدول؛ فسيرت طائرات إغاثية كانت تُلقي الخبز والطعام من الجو، بعد مظاهرات كبيرة جابت شوارع مدن أوروبا والعالم.
الوضع حاليًا يشهد وفرة عجيبة في الخبز؛ لأن أسعاره تُعد أقل من أسعاره قبل الحرب في السابع من أكتوبر 2023م. الباعة المتجولون بُحَّت أصواتهم صباح مساء في الشوارع، وبقايا أرغفة جافة مكدسة في الطرقات وقرب حاويات القمامة، ومشهد عربات الخبز، خاصة الدراجات النارية المزودة بصندوق حمولة، تجوب الشوارع مرتين في اليوم على الأقل.
يُعد الخبز أهم عنصر على مائدة الطعام في غزة؛ الناس هنا اعتادوا تناول كمية وفيرة من الخبز في ثلاث وجبات يومية. نحن شعب أكول، باختصار؛ تستهلك الأسرة كمية كبيرة من الدقيق كل شهر، وفي مجتمع متوسط الأسرة فيه خمسة أفراد، تحتاج الأسرة إلى أكثر من أربعين كيلوجرامًا من الدقيق شهريًا.
أسرتي مكونة من سبعة أفراد، وأحتاج خمسين كيلوجرامًا شهريًا من الدقيق في الأيام العادية قبل الحرب، ولكن حين يُقبل الشتاء، تندلع كل يوم جولة مسائية من تحضير السندويتشات، لا علاقة لها بوجبات الطعام الثلاثة.
أيام المجاعة، في إحدى جولاتي الصباحية للبحث عن الخبز، قابلت صديقًا يقطع شجرة توت تسللت فروعها لنوافذ منزله، وقد صادف ذلك حالة جوع شديد أصابتني بعد مرور أربعة أيام لم أتذوق فيها الخبز مطلقًا؛ داعبتني فكرة أوراق الشجر، التي أعلم أنها تدخل في طهو بعض أنواع الطعام، فأخفيت فرعًا صغيرًا يحمل قرابة عشر أوراق في حقيبتي، وغسلتها جيدًا بالماء، وتناولتها مطمئنًا.
وكان أهالي مدن شمال ووسط غزة قد تعرضوا لمجاعة أقل حدة في مطلع عام 2024م بسبب الحصار والحرب، فاضطروا لأكل أوراق الشجر وأعلاف الحيوانات؛ لكن مجاعة أبريل 2025م، الممتدة لخمسة شهور، وحدت مصير كامل سكان قطاع غزة.
تحضرني الآن المقولة الشهيرة المنسوبة لوينستون تشرشل، رئيس حكومة المملكة المتحدة، وهي: “ليس لدي ما أقدّمه لكم سوى الدم، والكدّ، والدموع، والعرق”. قالها تشرشل في خطابه أمام مجلس العموم البريطاني عام 1940، عند تولّيه رئاسة الوزراء خلال الحرب العالمية الثانية.
نحن الآن، يا عزيزي تشرشل، بحاجة إلى الدم والعمل والعرق، بعد أن حصلنا على الخبز، وحصلنا في الوقت ذاته على مدينة يشبه دمارها ما وقع في مدن أوروبية دمرتها النازية؛ لكن غزة، للأسف، لا تملك أكتافًا دافئة.
عندما نضع الخبز على المائدة الآن، نتناول قصة معاناتنا مع عصابات طحين الخبز، التي باعتنا الكيلوغرام بأربعين دولارًا أمريكيًا، بينما كان قديمًا ثمن شوال طحين القمح، فئة خمسة وعشرين كيلوجرامًا، عشرة دولارات أمريكية؛ والآن عاد الطحين لسابق عهده، وربما أقل.
خميرة الخبز كانت، في شهور المجاعة، تُباع أيضًا؛ كل عشرة جرامات بثلاثة دولارات، والآن تُباع خميرة بوزن أربعمائة وخمسين جرامًا بدولار وربع؛ هذا المشهد يعكس قسوة الحرب التي لم ترحم غنيًا ولا فقيرًا، فكلهم سواسية أمام رغيف الخبز.
كان لصوص الدقيق، الصيف الماضي، هم المصدر الوحيد للدقيق؛ كانوا يسرقونه تحت وابل من الرصاص في مراكز المساعدات الأمريكية، التي فتحت أربعة مراكز تحت حماية الجيش الإسرائيلي، وقد ذهب ضحية تلك الأيام آلاف القتلى والجرحى.
بدأت مراكز المساعدات تلك عملها في مايو، واستمرت حتى مطلع أكتوبر 2025م، وكانت تلك الليالي مرعبة بحق؛ يتخللها صوت إطلاق النار، واشتباكات العصابات التي تنهب دقيق الخبز، وعمليات طعن بالسكاكين والأدوات الحادة، بينما كان يموت كثيرون، وتدوسهم الأقدام التي تعدو تحت إطلاق النار، وهي تحمل الدقيق وتبيعه، حتى وصل مرة ثمن الكيلوغرام الواحد إلى ثمانين دولارًا أمريكيًا.
يفيض الآن الخبز عن الحاجة، وقد بدأ الناس يستردون عافيتهم نسبيًا، بعد أن فقد معظمهم جزءًا كبيرًا من أوزانهم بسبب المجاعة، التي حرمتنا الخبز، وأصابتنا خلال شهورها بأمراض ووهن شديد، مات منها أكثر من أربعمائة شخص، معظمهم أطفال، حسب إحصاء وزارة الصحة في غزة.
قطاع غزة يشهد حالة تناقض عجيب في الحياة اليومية، وأهم تلك التناقضات مؤخرًا هي قضية الخبز، الذي خاصم المائدة لشهور؛ ولا عجب أن كثيرًا من الشبان المغامرين واللصوص جنوا ثروة عجيبة في شهور المجاعة من سرقة شاحنات مساعدات إنسانية وإغاثية، كانوا يبيعونها في السوق وفق شروطهم؛ فقد كانوا هم من يحدد السعر والكمية ووقت البيع، بل يرفضون قبول أي ورقة نقدية قديمة لا تعجبهم.
هؤلاء اللصوص وأمراء طحين الخبز أعرفهم من وجوههم التي ابتزتنا طوال شهور، وأجدهم خلف سلال التسوق في المراكز التجارية يشترون ما لذ وطاب، وفي يد كل منهم هاتف خلوي من نوع «آي فون» حديث الإصدار. يا لكوكب غزة الصغير المتناقض، الذي أذل الكريم والمحترم، ومات في حربه المئات وهم يبحثون عن الخبز!
معلومات الموضوع
الوسوم
مراجع ومصادر
- المركز الفلسطيني للإعلام
