وصية الاستشهادية الأولى ريم الرياشي "شاهدة لا تبلى مع مرور السنين"
بأقلامكم
١٩ يوليو ٢٠٢٦
١٢٠ مشاهدة
10 دقيقة قراءة

وصية الاستشهادية الأولى ريم الرياشي "شاهدة لا تبلى مع مرور السنين"

قراءة توثيقية في سيرة ريم الرياشي وظروف حياتها ووصيتها الأخيرة، ضمن سياق تاريخي يعرض إحدى المحطات المرتبطة بالقضية الفلسطينية

في كلّ مرحلة نضالية من مراحل نضال الشعب الفلسطيني الطويل، تشارك المرأة الفلسطينية بما يتناسب مع تلك المرحلة، ومن بين النسوة اللائي سطَّرن بدمائهن وأشلائهن وبأحرف من نور في سجل النضال الفلسطيني الشهيدة بإذن الله تعالى "ريم الرياشي"

ولدت "ريم الرياشي" في حي الزيتون بمدينة غزة عام 1981م، وكانت أمًا لطفلين أحدهما كان رضيعًا.

فجّرت ريم نفسها في حاجز بيت حانون المعروف بـ "معبر إيرز" على حدود قطاع غزة وذلك في 14/1/2004م، وسجلت بذلك سابقة نوعية لتكون الاستشهادية الأولى التي تخرج من قطاع غزة.

أسفرت العملية الاستشهادية التي نفذتها "ريم الرياشي" عن مصرع 4 جنود صهاينة وإصابة 10 آخرين، وخطّت "الرياشي" اسمها في سجل الشرف بين الاستشهاديات الفلسطينيات، فكانت سابع استشهادية فلسطينية والأولى من قطاع غزة.

في كل مرحلة نضالية من مراحل نضال الشعب الفلسطيني الطويل، تشارك المرأة الفلسطينية بما يتناسب مع تلك المرحلة

قال قائد الفرقة العسكرية لجيش الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة آنذاك، العميد غادي شيمني: "إن الرياشي ضللت الجنود، أثناء الفحوصات الأمنية، عندما ادَّعت أن قطعة من البلاتين مزروعة في ساقها، لذا لم يكن بالإمكان عبورها في جهاز الكشف الأمني الخاص"

بعد استشهادها أخفت القوات الصهيونية معظم أشلاء جسدها وسلَّمت جزءًا يسيرًا من أشلاء جسدها للدفن في الأراضي الفلسطينية، بدون علم أهلها، فظل جثمانها مُوزعًا بين "مقابر الأرقام" الصهيونية في قبر كان يحمل رقم (5176)، وظل احتجاز باقي أشلائها حتى عام 2012م حين تسلم أهلها باقي جثمانها ودفنت في "مقبرة الشيخ عجلين" في غزة.

وصية الاستشهادية الغزاوية "ريم الرياشي"

"اسمحوا لي أن أخاطبكم الخطاب الأخير قبل العملية التي أنوي تنفيذها راجية الله أن يتقبل مني شهادتي وأن يُعينني على قتل أكبر عدد من جنود الصهاينة المحتلين.

أتوجه إليكم من دون الرجال؛ لأنني لم أعد أرى رجالًا في أمتنا سوى بقايا منهم في فلسطين والعراق، فأنتم الأمل الباقي لهذه الأمة بعد أن خلت من الرجال، وأنتم المسؤولون عن قيادة هذه الأمة إلى النصر وإلى العزة والكرامة بعد أن أوصلها أشباه الرجال إلى هذا الذل والعار الذي يجللها من مشرقها إلى مغربها، أنتم الذين ستحملون راية هذه الأمة وترفعونها خفاقة بين رايات الأمم التي تعيش فوق كوكبنا هذا بعد أن نكَّس راياتها أشباه الرجال من الحكام والعلماء والمثقفين ومن يسمون أنفسهم النخب.

من أرحامكن يا نساء الأمة سيخرج الأطفال الذين سيعيدون مجد هذه الأمة يكتبونه بدمائهم وأشلائهم، من أطفال هذه الأمة سيخرج من تربى على رمي الحجارة ومواجهة الدبابات بصدره العاري ليخلص هذه الأمة أولًا من حكامها ثم من المخذلين والمنافقين والمرائين والمُعوِّقين وأخيرًا ليخلصها من اليهود المغتصبين؛ وليعيد لها مكانتها أمام الحاقدين من الغربيين والشرقيين.

أما أشباه الرجال فأوصيهم بأن يتخلوا عن الكلام الذي لم يعد يُسمن ولا يُغني من جوع وعن المداراة والنفاق والدعاء للحكام بالصلاح والتوفيق، وأن يعتزلوا منابرهم التي يقفون عليها فهم ليسوا أهلًا ًلها، "وأوصيهم بإلحاق نون النسوة بصفاتهن وأسمائهن وتاء التأنيث بأفعالهن، فهن أحق بها وأهلها"

من أرحامكن يا نساء الأمة سيخرج الأطفال الذين سيعيدون مجد هذه الأمة

أدعوا الله لي يا إخوتي أن يتقبلني شهيدة غدًا، فأنا أتمنى لقاءه، وأتشوق للشهادة أمامه على أمتي وعصري وزماني، أتحرق للشهادة على حكام الذل والخيانة.

- أريد أن أشهد أمامه سبحانه على كل حاكم تخلى عن قدسنا وفلسطيننا وعن أهلنا.

- أشهد أمامه سبحانه على كل من قطع المعونات البائسة الشحيحة عن أطفالنا طاعة لمولاه في البيت الأبيض.

- أشهد أمامه سبحانه على كل من مد يده ليهود وقطعها عن إخوانه من المسلمين.

- أشهد أمامه سبحانه على كل من حارب شعبه وترك حرب أعدائه.

- أشهد أمامه سبحانه على كل من عاش لعرشه بدل شعبه وكل من باع وطنه مقابل حكمه.

- أشهد أمامه سبحانه على كل من شرَّد الشرفاء من أمته ورعيته واستبدل بهم المطبلين والمزمرين والمسبحين بحمده ليستتب الأمر ليهود ومن والاهم.

- أشهد أمامه سبحانه على كل من يتحجج بعدم القدرة وهو يُصفِّي الأمة من القادرين على التغيير خوفا أن يطاله التغيير.

- أشهد أمامه سبحانه على كل من سرق أموال الأمة وحوَّلها لحسابه الخاص وحساب أسرته وأقربائه وأعوانه وترك شعبه يلهث وراء الفتات كي لا يستطيع أن يفكر في المصائب التي تنهال على رأس هذه الأمة.

أتوق لأن أصل إلى ربي شهيدة على علماء هذه الأمة الذين:

  • شغلتهم فتاوى الزواج والطلاق عن طلقات المدافع والصواريخ التي تهطل علينا كالمطر.
  • وشغلتهم فتاوى الربا وتحليله عن تحليل اليهود لدمائنا وأعراضنا وبيوتنا وأشجارنا.
  • وشغلتهم فتاوى طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه والدعاء له بالصلاح عن خروج الأمر من يد الأمة وعن طاعة الحاكم وولايته للعدو.

أريد أن أشهد عليهم بأنهم شياطين خرس لا يقولون إلا ما يديم عليهم مناصبهم ويديم عليهم رزقهم ويديم عليهم عافيتهم، يتأولون ما لم يعد فيه مجال للتأول، ويسكتون عن الحق حيث لا مجال للسكوت، ويدرؤون الفتنة بزعمهم حيث لم يعد هناك فتنة بل وصلنا إلى الكارثة وهم نيام ينظرون، ويحاربون بعضهم بعضًا يُكفِّرون ويُفسِّقون ويُبدِّعون ويُضلِّلون من شاؤوا من إخوانهم في العقيدة ثم يسكتون عن الحاكم وآثامه البغيضة ويأمرون الناس بالسمع والطاعة ويصرخون في وجوه المنتقدين: هذا أهون الشرين.

أريد أن أشهد شهادة خاصة بشيخ الأزهر (طنطاوي) عبد المبارك لن أطلعكم عليها؛ لأنها سر بيني وبين خالقي.

أريد أن أشهد على من يسمون مثقفي هذه الأمة ونخبها، الذين تقوم قيامتهم ولا تقعد عندما يشير الحاكم بأصبعه فتنطلق ألسنتهم كألسنة العضاة يصل طولها إلى ثلاث أمثال طول جسمها ينهشون في لحوم المخلصين من أبناء الوطن الذين سوَّلت لهم أنفسهم ذكر كلب كلب الحاكم بسوء، ثم تعود ألسنتهم إلى حلوقهم ليبتلعوها إذا أشار الحاكم إشارة أخرى، النخب التي ضاعت بين مداراة الحاكم وقول الحق، بين حفظ النفس وحفظ الكرامة.

فلو قام إنسان بوصف حالنا الذي نعيشه الآن فلن يكتب أكثر من ذلك ولا أفضل من ذلك

بعد استشهادي غدًا بإذن الله، ستسمعون كلامًا كثيرًا عن أنني ألقيت نفسي في التهلكة، وقد يخرج من يقول عني منتحرة، وقد يخرج من يقول عني حمقاء تركت أبناءها ولم ترع حرمة زوجها وأهلها ولهؤلاء أقول: دعوكم من لحمي المسموم ويكفيكم الفتات الذي يلقي به الحاكم إليكم لتأكلوه والنفايات التي تربون عليها أولادكم، أما أنا فمؤمنة بأن رازقي ورازق أولادي من بعدي هو ربي الذي رباني وسيتولى تربية أولادي من بعدي، أما أنتم فتعتقدون أن صاحب الجريدة التي تكتبون فيها هو الرزاق، وأن صاحب المحطة التي تتكلمون منها هو الرزاق، وأن وزير الأوقاف الذي عيِّنكم هو الرزاق، وأن الحاكم الذي يدير مزرعة العبيد التي تعيشون فيها هو الرزاق، فهنيئا لكم عقيدتكم هذه وهنيئا لكم إيمانكم هذا وستعرفون يومًا ما من هو الرزاق الحقيقي ومن هو المربي الحقيقي ومن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.

أخيرًا أقول لـ "شيراك" الذي يريد منع الحجاب في فرنسا على المسلمين: أرجو منك بعد منع المسلمات من الحجاب أن تفرضه على رجال المسلمين، بدءا بحكامهم، وأن تفرض عليهم أيضًا أن يغطوا وجوههم الذليلة؛ لأنها أصبحت عورات لا يجوز أن يراها أحد لا في المشرق ولا في المغرب.

في الختام أرجو منكم دعوة صالحة في ظهر الغيب وأوصيكم بفلسطين وبالأقصى وبالعراق وببلاد المسلمين كلها فهي أمانة في أعناقكم جميعًا"

ريم رياشي

أخيرًا أقول:

إن ما سطرته الشهيدة بإذن الله تعالى "ريم الرياشي" ما هو إلا كلام لامرأة وهبها الله تعالى بصيرة نافذة أو كأنها اطلعت على الغيب أو أنها ما زالت على قيد الحياة بيننا الآن، فلو وصف إنسان حالنا الذي نعيشه الآن فلن يكتب أكثر من ذلك ولا أفضل من ذلك، ولا نزكي على الله أحدًا.

اللهم تقبلها في الصالحين

 

 

تاريخ النشر: ١٩ يوليو ٢٠٢٦ في ١٢:٠٦ م

آخر تحديث: أمس

مختارات من بأقلامكم

عن الكاتب

محمد عبدالرحمن صادق

محمد عبدالرحمن صادق

<p>خبير تربوي وكاتب في بعض المواقع المصرية والعربية المهتمة بالشأن التربوي والسياسي، قام بتأليف مجموعة من الكتب من بينها (منظومة التكافل في الإسلام– أخلاق الجاهلية كما صورها القرآن الكريم– خير أمة).</p>

عرض الملف الشخصي ←

شارك المقال عبر

مواضيع ذات صلة

كتب مقترحة